عبد القاهر الجرجاني
9
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية )
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم مقدمة المحقق الحمد للّه الذي شرفنا بعد أخذ آيات القرآن ، بتعلم علوم البلاغة والبيان ؛ فلا جرم أنها تقع من سائر العلوم اللغوية بمنزلة الرأس من الجسد ، فهي باسمي منزلة ، وأعلى مكان ، وذلك لتعلقها ببيان أسرار الكتاب المجيد ، ومن ثم بيان مقصود اللّه ومراده من العبيد . وبعد ؛ فإن كتاب ( أسرار البلاغة ) يعد وهو وكتاب ( دلائل الإعجاز ) لشيخ البلاغيين - بلا منازع - الإمام عبد القاهر الجرجاني ، يعدان بالمقام الأول من كتب البلاغة بلا نزاع بين أهل العلم بهذا الفن ، ولم أر في كلام أحد من المتقدمين أو المتأخرين من يقدم عليهما كتابا في هذا الفن ؛ بل إنك إذا سألت أحدا عن كتاب جيد يحفظ للبلاغة رونقها وطلاوتها غير هذين الكتابين فإنه يقف باهتا متحيرا فلا يعيرك جوابا ، غير النفي القاطع ، فإن سألته عن أجود الكتب بعدهما ، فإنه يتردد ويتلعثم من جهة عظم الهوّة وعظم الفارق والبون ، بين هذين الكتابين وما يجعل تاليا لهما وما ذلك إلا لأن كتب المتقدمين قبل عبد القاهر كانت عبارة عن مباحث متفرقة ، وإشارات خاطفة ، وعبارات متناثرة ، تكد في جمعها من هنا وهناك ، فجاء ذلك الإمام فجمع أصول هذا العلم ، وردّ إليها فروعه ، ووضع له قواعده وأصوله ، بغير جفاف ولا تعقيد ، وبغير مبالغة في الحصر والإحصاء والتفريع والتمييز ، والتحديد ، مما عرف عن المتأخرين كالسكاكي ومن تابعه من صرامة المنطق والمبالغة في التحديد والتجريد . فكانت طريقته قصدا بين الطريقة الأدبية القديمة في تحليل النصوص وترك الأمور هملا دون تقييد ولا تعقيد ولا تجريد لقواعد العلم وأصوله ، وبين طريقة المتأخرين الذين غلب عليهم جفاف المنطق وصرامته ، وشدة التجريد والتعقيد وقوته . ويأتي هذا الكتاب الجليل ( أسرار البلاغة ) ليفرده الشيخ لمعالجة أكثر